بين حلمٍ مؤجَّل وواقعٍ يختزل جوهر المهنة
بين حلمٍ مؤجَّل وواقعٍ يختزل جوهر المهنة
أيامٌ تمضي ونحن نطارد سرابًا يبتعد كلما اقتربنا منه.
بدأت الحكاية بفرحة القبول في كلية الطب، تلك اللحظة التي ظننا أنها بداية الطريق الواضح. ثم جاءت سنواتٌ ثقيلة، عبرنا فيها صعوبات الحياة والدراسة، حتى وصلنا إلى عتبة التخرج… لحظةٌ ظننا أنها تختصر كل التعب، وتمنحنا أخيرًا معنى لما مضى.
تخرجنا، نحمل الأمل، وندخل التدريب بشغفٍ صادق.
نريد أن نطبّق ما تعلمناه، أن نكون حيث يجب أن نكون: إلى جانب المريض، في قلب المهنة، حيث القيمة الحقيقية.
وبعد ذلك كان للواقع رأيٌ مختلفًا.
سؤالٌ بسيط بدأ يلحّ:
أين نمضي؟
وكان الجواب دائمًا: “بعد أسبوعين”.
أسبوعان… يتبعهما أسبوعان…
حتى صار الانتظار حالة، لا مرحلة.
مع الوقت، لم يتأجل المستقبل فقط، بل بدأت المعادلة تختل.
لم تعد القيمة في أن تكون حاضرًا، بل في أن تُؤجَّل، أن تُركن جانبًا، كأنك شيءٌ يمكن التعامل معه لاحقًا… حتى لو لم يكن هناك خللٌ من الأساس. كالكتاب الذي يتم وضعه على الرف حتى يجد له مكانا على مكتبٍ يُعاد ترتيبه؛ لم يكن فوضوياً أصلًا!
ومع هذا التأجيل، تتسلل أسئلة أثقل:
ماذا عن سنواتٍ بُذلت؟
ماذا عن علمٍ قد تذروه الرياح، ويقسو عليه الزمن حتى يتصحر؟
ماذا عن معاناة من هم في الميدان، يحترقون بين ستائر الأسرة وأروقة المستشفيات؟
ماذا عن المرضى، العالقين في قوائم الانتظار، يترقبون لحظة تخفف وجعهم؟
هل أصبحت هذه تفاصيل ثانوية في معادلة أكبر؟
وهل لا يمكن إدارة الواقع دون تعطيل جوهر هذه المهنة؟
الصحة ليست كأي قطاع.
لا تُدار بالأرقام وحدها، ولا تُقاس بنجاحاتٍ ومؤشرات مُسطّحة.
الصحة تعني أن يكون الإنسان أولًا…
الإنسان: المريض، والطبيب، وكل من يحمل عبء هذه المنظومة.
ورغم كل هذا، ستشرق الشمس يومًا، ويبقى الأمل حاضرًا، وحتى وان كان بصمت.
إيمانٌ بالله أولًا ثم بأن هذا التعطّل ليس قدرًا دائمًا، وأن ما تأخر… يمكن أن يجد طريقه يومًا.
لكن السؤال الذي لا يغيب:
إلى متى!!
١٤٤٧/١٠/٢٤ هـ
تعليقات
إرسال تعليق